حسن بن موسى القادري
368
شرح حكم الشيخ الأكبر
واعلم أن انفساد معاملة الناس وتمكن الوسواس ، وفساد الحكام والأحكام من كثرة الجهل والعمل به ومتابعة الهوى ، فينبغي للسالك من تعلم العلوم حتى لا يعمل بالجهل الذي ما عدّ شيئا كما مرّ الإشارة إليه لكن لا مطلق العلوم ، بل العلوم النافعة لإمامه وما يحتاج إليه فيما بعد . 117 - تعلم يا بني من العلوم ما ينفعك في القدوم . ولذا أمر الشيخ قدّس سرّه بتعلم العلوم ، فقال : ( تعلم يا بني من العلوم ما ينفعك في القدوم ) ( بني ) تصغير ابن للشفقة ، و ( ما ) فيما ( ينفعك ) موصولة مفعول به ( لتعلم ) تعدى هنا إلى مفعول واحد مع أن العلم يقتضي مفعولين ؛ لأنه صار لازما بانتقاله إلى باب التفعل الموضوع للزوم ، ومن العلوم يبان لما قدم عليه اهتماما أي : تعلم أيها السالك الطالب للخلاص عند الشدائد في الطريق الذي هو بمنزلة الابن بل أعز وأشدّ منه ؛ لأن الطريقة أقوى من بنوة النسب ، كما أن أبوتها أقوى وأعلى من أبوته ؛ لأن الأب النسبي يحفظ ابنه من نار الدنيا ، وأب الطريقة يحفظه من نار الآخرة وشتان ما بينهما ، وأنه يريبه لتكميل حياته العارية الزائلة ، وهذا يربيه لتكميل حياته الأصلية الأبدية ما ينفعك في القدوم من العلوم أي : العلوم التي تنفعك فيما يأتي المراد به مطلقا أو الآخرة وحدها ، وهي زبدة العلوم التي أعتنى الناس بتأليفها من الفقه ، والتفسير ، والحديث ، والقراءة ، والنحو ، والصرف ، وأصول الفقه ، وأصول الدين ، والمعاني والبيان ، لكن يبقى من هذه الزبدة أن يتعلم ما يحتاج إليه لآخرته لا غير ، فلا يكلف في تحصيل ما فهمه الأكابر من العلماء ، وإن كان منهم فلا يكلف أن يفهم ما فهمه الأولياء ، والولي لا يكلف في فهم ما هو خاص بدائرة الولاية الخاصة ؛ إذ ليس على أحد إلا الفهم بقدر ما وقره اللّه تعالى في قلبه . ومن هنا قال الشيخ الكامل عبد الوهاب الشعراني قدس سره ما حاصله : إنه لا فائدة في النظر على تفسير الغير ؛ لأنه إن كان أعلى ، فلا يجوز له النزول ، وإلا فما لا يتعقله قلبه إن كان الغير أعلى ، وإما لا فائدة فيه إن كان مساويا ، ولا حاجة إلى تعلم علم القراءة ؛ لأن المقصود الأعظم من إنزال الكتب الاتعاظ ، والعمل بها دون القراءة بالمد والإمالة والغنة ؛ إذ لا فائدة فيها مع غفلة القلب عن الحق تعالى ، والتكالب على الدنيا ، وتمزيق عرض كل من يزاحمه على القراءة ، ولا يحتاج من الفقه إلا إلى ما يؤدي به فرضه